أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
36
مقامات بديع الزمان الهمذاني
وشارب قد طرّ ، وساعد ملآن ، وقضيب ريّان ، ونجار تركيّ ، وزيّ ملكيّ ، فقلنا : مالك لا أبا لك ؟ فقال : أنا عبد بعض الملوك ، همّ من قتلي بهمّ ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني ، وشهدت شواهد حاله ، على صدق مقاله ، ثمّ قال : أنا اليوم عبدك ، ومالي مالك ، فقلت : بشرى لك وبك ، ادّاك سيرك إلى فناء رحب ، وعيش رطب ، وهنّأتني الجماعة ، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه ، وينطق فتفتننا ألفاظه ، فقال : يا سادة إنّ في سفح الجبل عينا ، وقد ركبتم فلاة عوراء « 1 » ، فخذوا من هنالك الماء ، فلوينا الأعنّة إلى حيث أشار ، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان ، وركب الجنادب العيدان ، فقال : ألا تقيلون في الظّلّ الرّحب ، على هذا الماء العذب ؟ فقلنا : أنت وذاك « 2 » فنزل عن فرسه ، وحلّ منطقته ، ونحّى قرطقته « 3 » ، فما استتر عنّا إلّا بغلالة تنمّ عن بدنه ، فما شككنا أنّه خاصم الولدان ، ففارق الجنان ، وهرب من رضوان « 4 » ، وعمد إلى السّروج فخطّها ، وإلى الأفراس فحشّها « 5 » ، وإلى الأمكنة فرشّها ، وقد حارت البصائر فيه ، ووقفت الأبصار عليه ، فقلت : يا فتى ما ألطفك في الخدمة ، وأحسنك في الجملة ، فالويل لمن فارقته ، وطوبى لمن رافقته ، فكيف شكر اللّه على النّعمة بك ؟ فقال : ما سترونه منّي أكثر ، أتعجبكم خفّتي في الخدمة ، وحسني في الجملة ؟ فكيف لو رأيتموني في الوقعة ؟ أريكم من حذقي
--> ( 1 ) ركبتم فلاة عوراء : سرتم في أرض لا عين فيها . ( 2 ) أنت وذاك : لك ذلك . ( 3 ) حل منطقته : حل حزامه . نحّى قرطقته : خلع لباسه . ( 4 ) يريد أنه أحد ولدان الجنة التي يحرسها رضوان . ( 5 ) حش الأفراس : قدم لها الحشيش .